لم يكن الصمت في الغرفة صمتًا عاديًا، بل ازدحامًا من ذكرياتٍ باهتة.
كانت سارة تقف قرب النافذة، تراقب خيوط الشمس وهي تنزلق على وجه أمها فاطمة؛ تلك المرأة التي كانت يومًا عماد البيت، وصارت الآن تجلس كعصفورٍ مبتلّ، تنظر ولا ترى، وتسمع ولا تعرف.
ترتّب سارة الغرفة كل صباح، لا بوصفه تنظيفًا، بل ترميمًا للحب. تضع المصحف قرب السرير، تمسح الغبار عن الطاولة، وتهمس في داخلها بالآية التي صارت دستور أيامها:
{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}.
وتقول لنفسها: إن كان هذا ذلًا، فما أرفعه.
عند الظهيرة، تهبّ نوبة التيه
تسأل الأم بإلحاح:
وحين تحاول سارة تهدئتها، تدفعها بيدٍ واهنة:
كان ذلك أقسى أنواع البر؛ أن تُقابل بالجفاء ممن وهبتَ له عمرك، لا لذنب، بل لمرض
لم تجب سارة. ذهبت وأحضرت طبق الفاكهة الذي تحبه أمها، وجلست قرب قدميها تبكي بصمت، وتدعو:
اللهم اشفِ غرس يدي، وارحم ضعفها.
وبعد دقائق، هدأت الأم، وأكلت من يد ابنتها، تنظر إليها كأنها لا تعرفها… لكنها تشعر بالأمان معها.
في الليل، جلست سارة تكتب في دفترها الصغير:
“أمي لا تعرفني اليوم، لكن قلبها يفعل.”
وقبيل الفجر، حدثت المعجزة الصغيرة
نادتها الأم بصوتٍ صافٍ:
سقطت سارة عند السرير، والدمع يخنقها
وضعت الأم يدها على رأسها، وقالت:
ثم غابت مجددًا
لكن تلك الكلمات صارت وقود عمرٍ كامل.
مع الفجر، توضأت سارة وصلّت قرب السرير، كانت تمسح وجه أمها، تمشط شعرها الأبيض، وتغيّر ملابسها بحذرٍ شديد، لم تعد ترى الجسد جسدًا، بل أمانة
كل لمسة صلاة، وكل تعب رفعة
كانت تسمع أحيانًا من يقول:
فتبتسم. لم يعلموا أن هذا العمر هو الأكثر امتلاءً، وأن البرّ الذي لا تصفق له الدنيا، تحتفي به السماء.
وفي ليلةٍ أثقلها التعب، جلست سارة تبكي بصمت
قالت:
أنا إنسانة يا رب… أتعب.
فشعرت بيد أمها تلامس كتفها، وصوتها يقول:
لم تكن ذاكرة، بل يقينًا خالصًا
بعد أشهر، ضعفت الأم أكثر. الكلمات شحّت، لكن سارة كانت تزرع الحياة في الغرفة كل يوم: آية، زهرة، دعاء.
وذات مساء، وجدت في خزانة قديمة ورقةً صفراء كتب عليها:
“إن نسيتكِ يومًا، فتذكّري أن قلبي لم ينسكِ أبدًا.”
بكت سارة بطمأنينة
أدركت أن الذاكرة الحقيقية تسكن الروح، لا الدماغ
وفي آخر صفحة من دفترها كتبت:
“أمي علّمتني الحياة حين كانت واعية، وتعلّمني النجاة الآن وهي غائبة، ما فقدته من الذاكرة، كسبته في السماء.”
وهكذا، ظلّ ذلك النبض في الذاكرة البيضاء شاهدًا على أن بعض القصص لا تُكتب لتُقرأ… بل لتُحتسب.