الأديب/ رامي خلفي الخليف الحمد

النسخة السادسة القصة القصيرة

الأديب/ رامي خلفي الخليف الحمد

المركز الثالث في فرع القصة القصيرة من دولة سوريا

بردُ الصمت.. وحكايةُ الحبِّ الذي لا يُقال

يقول صديقي بأنه لا يتفهم الحب الذي يظهره بعض الآباء لأبنائهم، بل يجزم بأنه نوع من التمثيل أمام المجتمع؛ مجرد صور تلتقط في المناسبات لتعرض على وسائل التواصل، أما في البيوت فالأمر مختلف تماماً. وفي جلسة مصارحة، اعترف لي بشيء صادم، قاله بلا تردد: “أنا أكره أبي”.

 

قالها لأن أباه –كما يصفه– لا يعرف سوى الصراخ، ولا يجيد غير القسوة. استغربت حديثه، فأنا أعرف والده؛ ذلك الرجل الودود المجتهد الذي يسعى ليؤمن لأسرته حياة كريمة. فكيف يجتمع لديه الجهاد ضد قسوة الحياة لأجل أولاده مع القسوة ضدهم؟ هل يمكن أن يرتدي الإنسان قناع الطيبة خارج المنزل ويكون قاسياً داخله؟ أم أن هناك حلقة مفقودة في التواصل تجعل المحبة التي تملأ قلب الأب تتحول عداوة في نظر أبنائه؟

 

حاولت أن أشرح لصديقي، أوضحت له أن أباه طيب وقد يمر بظروف سيئة في العمل، لكنه رد عليّ بأن هذا حاله دائماً، وباغتني بسؤال مرير: “تصور أنه لم يحتضني أبداً؟”.

 

توقفت عند هذه الجملة، وعدت بذاكرتي لنفسي؛ فأمي لم تبادر يوماً لاحتضاني، بل كنت في العيد عندما أقترب منها لأقبل يدها، تحاول سحبها بسرعة، وعندما أحتضنها ترتبك ملامحها ويتصلب جسمها، كانت تمنحني –مجبرة– حضناً سريعاً تريد أن تنهيه بأي ثمن، لم يكن الأمر معي فقط، بل مع بقية إخوتي أيضاً. كنا نقف صفا أمامها وهي تريد أن تنتهي قبل البدء حتى هذا انعكس على علاقتي بإخواتي نحب بعضنا البعض ولكن لا نقول ولا نعبر

 

هل يعني هذا الجمود من الآباء خلو القلب من المودة؟ أم أنهم فقط لا يعبرون؟ لقد تربى ذلك الجيل على فلسفة “الحب بالأفعال لا بالأقوال”، وآمنوا بأن الرزانة هي أن تكون بلا مشاعر، وأن الحب “دلال مفسد”. كان الحب في قاموسهم هو تأمين مستلزمات الحياة ودفع الأقساط، والأمومة هي إعداد لقمة طيبة وثياب نظيفة وبيت مرتب. يترجمون عواطفهم مسكنا وطعاما ولباسا ولكننا كنا بحاجة لكلمات تهمس وأيادٍ على شعورنا تلمس

 

كبرتُ وأصبحتُ أباً…

والآن يقف ابني أمام المرآة، يجفف شعره ويمشطه، يرتدي قميصاً لا يعجبه فيخلعه ليرتدي آخر. أراقبه دون أن يشعر، وقلبي يغلي كـ “المرجل”؛ سوف يتأخر عن امتحانه! تملّكتني رغبة في الصراخ، شعرت في حنجرتي بصرخة قديمة صرخها جدي يوماً ونقلها أبي إليّ، فهل أنقل هذا الإرث الثقيل؟ هل أصرخها الآن في إذن ابني؟  تذكرت ما قرأت عن أن الصراخ لا يورث إلا العناد والشعور بعدم المحبة، فينعكس ما أريده تماماً. تعوذت من الشيطان واقتربت منه، احتضنته وقلبي يمتلئ حباً، وهمست له: “يلا يا بابا، ما شاء الله ما يلزمك شي، أنت جاهز”.

 

نظرتُ لنفسي في المرآة، وخلال ثوانٍ استعدتُ موقفاً مشابهاً حصل لي، ولكن عندها صرخ أبي في وجهي، وبقيت لأيام حانقاً عليه، أردد في سري: “إنه لا يحبني”. اليوم، وبعد أن كبرت، أدركتُ أنه كان يحبني، لكنه لم يكن يملك “اللغة”. كان يترجم خوفه صراخاً لأنه هذا ما تلقاه. وأمي هي الأخرى، لم تتلقَّ حضناً من أهلها، فكيف تعطي ما لا تعرفه؟ يدها المرتجفة التي ترفض قبلتي، هي ذاتها اليد المستعدة لأن تنتزع قلبها وتقدمه لي.

 

لقد تعلم آباؤنا أن قمة الحب هي حمايتنا من الجوع،  ولم يتعلموا أننا قد “نجوع عاطفياً”. لم يعرفوا أن الملابس التي دفعوا ثمنها عرقاً، لا تقي أبداً من “برد الصمت”. والقصور التي شيدوها لاتجلب الأمان لقلب أهملوه ولم يحصنوه بكلمة أحبك صديقي كان بحاجة لكلمة طيبة وحضن دافئ يشعره بالاهتمام هو لم يكره أباه لشخصه، بل كره ذلك السد المنيع من القسوة الظاهرية الذي يمنع وصول شلالات العطف المغمورة في قلب أبيه.

وأنا أحتضن ابني، لا أنكر حق آبائنا الذين منحونا الحياة وضحوا بأيامهم لأجلنا، هم أيضاً كانوا محرومين ونقلوا لنا ما عاشوه، بل أغفر لهم صمتهم، وأجد أنه من “البر” أن أحاول إصلاح ما لم تتح لهم الحياة فرصة لإصلاحه. شعرتُ بأن حلقة من سلسلة الصمت قد تحطمت؛ حين رد لي ابني الحضن، وطبع قبلة على خدي وقال بابتسامة: “أنا جاهز”. لقد كان جاهزاً ليس فقط للامتحان، بل للحياة ككل.