تحوّلاتُ مقامِ الأبوّةِ عند الشّاعرِ العربيّ؛ من الفخرِ إلى البِرّ
تمهيد:
الشعر؛ ذلك الكائن اللغوي الذي اتسع لذاكرة الإنسان العربي، حضارة وتاريخا وأخبارا وأحداثا، وحتى شعورا، بل إنّ شطره لا يخلو من عاطفة وشعور تجاه الذات والآخر بمختلف تمثلاته، هذا الآخر الذي كان يتجلى في المرأة عند غالب شعراء العصور المتواترة، فتصدر الغزل والنّسيب منذ العصر الجاهلي، وما خلا ديوان شاعر من رقته _إلا ما شذّ_ فلا يقاسُ عليه.
ثمّ إنّ هذا الآخر المقابل للأنا الشاعرة لم يتلخص في المرأة المحبوبة، بل تجاوزها إلى حالات إنسانية أخرى، خلّدها التاريخ باعتبار الروابط السامية التي ظلت راسخة في وجدان الفرد العربي، ثم باعتبار القرابة والموقف الذي أشعل نار القصيدة التي لم تنطفئ شعلاتها إلى يوم الناس هذا، ولعل أبرز هذه المواقف كانت في الرثاء، إذ لا يتجاوز قارئ الشعر القديم أبيات «المهلهل» في رثاء أخيه «كليبًا» والتي نتخيّر من كثرتها قوله:لَمَّا نَعَى النَّاعِي كُلَيْباً أَظْلَمَتْ… ([1])، ومن نفس الواقعة رثاء «الحارث بن عباد» ابنه «بجيرًا»، بيته من مطولته التي مطلعها: كُلُّ شَيءٍ مَصيرُهُ لِلزَوالِ…، وقد اشترك الشاعران في فقد أصلٍ في القرابة، واتفقا في البكاء شعرا، وفي تمجيد المفقود وتبيان تفرده في الناس، وانعدام نظيره، كما قدّمت «الخنساء» نموذجا عاليا لرابط الأخوة الذي لا يقطه الموت، بل يقوّي حبله ولو بسلطان الحزَن، ذلك أنها اشتهرت بقصائدها العظيمة في رثاء أخيها «صخرا».
كما نجد في ديوان الشعر العربي نماذج كثيرة من رثاء الآباء للأبناء، كـ«ابن الرومي»، و«ابن عبّاد» الأندلسي، اللذين اشتركا مع «ابن عُبَاد» الجاهلي في فقد الابن _على اختلاف الأسباب والوقائع_ على قولِ الشاعر: تَعَدَّدَتِ الأَسْبَابُ والمَوْتُ وَاحِدُ !، أو ربما: تَعَدَّدَتِ الأَسْبَابُ والحُزْنُ وَاحِدُ !.
وتأتي الأم في صدارة وجدان الإنسان العربي، ومن أغزر ما كتب الشعراء في ذوي القربي، لأنها كانت المعادل الوجودي للوطن والأرض، فمن «الشنفرى» وقوله: (وأُمِّي ابْنَةُ الخَيْرَيْنِ لَوْ تَعْلَمِينَهَا) ([2]) إلى «محمود درويش» وقصيدته (أَحِنُّ إِلَى خُبْزِ أُمِّي) ومَنْ دونهما؛ يتوقد بيت فريد لشاعر فريد، وهو «المتنبي»، وبيته في رثاء أم سيف الدولة:
ولَوْ كَانَ النِّسَاءُ كَمَنْ فَقَدْنَا لَفُضِّلَتِ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ ([3])
كما تجلى الأب بصور متحوّلة عند الشاعر العربي منذ البدايات الأولى للقصيدة العربية، وذلك ما يشتغل متنُ هذه الروقة البحثية على رصده، من خلال تخيّر بعض النماذج _حسب ما تتسع له شروط المقال_ وحسب ما تقتضيه المنهجية التاريخية، من حرص على انتقال من القديم إلى الحديث، من أجل رصدٍ واعٍ لتحولات مقام الأبوة عند الشاعر العربي.
أولا: مقام الأبوّة عند الشاعر العربي القديم:
تعددت علاقة الشاعر بالأب في العصر القديم انخراطا في تحولات النظم الاجتماعية في كل مرحلة، واختلف مقام الأبوة من سياق إلى آخر، إذ أنّ الشاعر القديم اتخذ من مقام الأبوة مقام فخر واعزاز بالنسب إذا كان من أكابر القوم، ولو أنّ ذلك كان يعدُّ منقصة عند بعض العرب، ومن ذلك حكمة «عليّ بن أبي طالب» كُنْ اِبْنَ مَنْ شِئْتَ، ومنها البيت الشهير:
إِنَّ الفَتَى مَنْ يُقُولُ هَا أَنَا ذَا لَيْسَ الفَتَى مَنْ يُقُولُ كَانَ أَبي ([4])
ورأي «علي» يتكئ على مجموعة من الأخلاق التي تحاول تجاوز العصبية القبلية التي كانت تثير النعرات في المجتمع الجاهلي، وبلغت بعض أماراتها المجتمع الإسلامي، إذ بقيت منغرسة في بعض القبائل والأعراب، وإن كان «علي» مستغنيا عن قيمة أبيه ليستزيد بها قيمة _وكانا ذا قدر في قريش_، فإنّ الشاعر العبد الفارس «عنترة بن شداد» مثلا، كان متفقا معه في الاستغناء، ولكن عن قلة حيلة، ورفض طويل مقترن بعبودية قاسية، لكن ذلك لم يمنعه عن طلب العلياء في غير نسبة إلى أبٍ ذا أصل وقوم كبار، وقد أشار إلى ذلك في مواضع كثيرة من قصائده، ومنها بيته:
وقَدْ طَلَبْتُ مِنَ العَلْيَاءِ مَنْزِلَةً بِصَـارِمِي، لا بِأُمِّي ولا أَبِي ([5])
إذ يحاول أن يتجاوز عقدة نقص الأبوة بشيم وصفاتٍ ترفع من شأنه، وتنزله منزلة أعلى من مقام العبيد وحتى الفرسان، إذ يجعل من الصارم سببا لذلك دون الأهل والنسب والقبيلة.
ولعل علاقة العبد بوالده علاقة متواطئة مع علاقة الصعلوك بأبيه، إذ أنها تقوم على التجاذب والمفارقة، وإذ أننا نستحضر «الشنفرى» فلأنه من أشهر الشعراء الجاهليين، ثم إنه _ورغم مطلع لاميته الشهيرة_ والتي وسمت بـ (لامية العرب):
أَقِيمُوا بَنِي أُمِّي صُدُورَ مَطِيِّكُمْ فَإِنِّي إِلَى قَوْمٍ سِـواكُمْ لَأَمْيَلُ ([6])
والذي يصرح فيها بميوله عن إخوانه إلى قوم سواهم، وهم أهل الفيافي والشعاب؛ ولِي دونَكَمْ أَهْلُونَ…
إلا أنّ كل هذا التمرّد والصعلكة لم تقطع علاقته الشعرية بأبيه، والقائمة على الفخر والتفضيل، كدأب شعراء عصرهم ومن والاهم من العصور السابقة، فله من ذلك، بيته:
أَلَيْسَ أَبِي خَيْرَ الأَواسِ وغَيْرِهَا وأُمِّي ابْنَةُ الخَيْرَيْنِ لَوْ تَعْلَمْينَهَا ! ([7])
وقد كثرت المواقف الشعرية في المتن العربي القديم، التي تستحضر الأب في مقام الفخر خاصة، وتتفق في أغلب أساليب توظيفها، وذلك استئناسا بالرؤية المجتمعية القديمة، التي ترى في الأب أصلا للابن، الذي لابد أن يتشكل بصلصالها، وأن يتخلق بأخلاقها، ويتسم بسماته، فإن كان من الأشراف؛ كان الابن، وإن كان ذا غنىً؛ كان الابن، وإن كان ذا شدة وشجاعة كان الابن، وهلمّ سحبا على مختلف المواقف والحالات، إلا ما شذَّ منها.
ثانيا: مقام الأبوة عند الشاعر الحديث والمعاصر:
إنّ انتقال الشاعر إلى المرحلة الحديثة والمعاصرة، بكل حمولاتها الحضارية، وتحولاتها الجوهرية، دفعه نحو الانخراط في التصورات الإنسانية الجديدة، المبنية على أطرٍ ومبادئ تتجاوز التصورات الإنسانية القديمة، فلم يعد الشاعر متعصبا لقبيلة، ولا متحمسا لحرب يستقوي فيها بأبٍ وقوم، بل أصبح الشاعر قطبا للسلام والمحبة والجمال، ذا مسؤولية أخلاقية عالية تحيط بما يسطر قلمه، ومن ذلك فقد تغيرت رؤاه الشعرية جذريا، وتجددت روح مضامينه وأساليبه، فتحولت العديد من القضايا المعاصرة إلى حالة قلق دائم يتجاذب الشاعر، فتداخلت وتماهت، كتماهي الذات مع الوطن، والأم مع القصيدة، والأب مع الأرض، وغير ذلك، إذ تحول مقام الأبوة إلى حالة رمزية متشظية عصية على القراءة السطحية.
ويعدّ أمير الشعراء «أحمد شوقي» واحدا من رواد الشعر العربي الحديث، وأغزرهم نتاجا، وتضيء قصيدته (سَأَلُوني لِمَ لَمْ أَرْثِ أبي) موقفا متدثرا بالصبر والرضى، والإيمان بقدر الله وقضائه في أعز مخلوق على الشاعر، وهذه حالة نادرة، ولا يبلغها إلى من أوتي قلبا محتسبا، ومطلع قصيدته:
سَأَلُـوني لِمَ لَمْ أَرثِ أَبي وَرِثَاءُ الأَبِ دَينٌ أَيُّ دَينْ ([8])
فالشاعر يعي أنّ رثاء الأب دين على كل شاعر، وقد فعل الفحول قبله، لكنّ هذا (الدَّينَ) يندثر شيئا ما أمام (الدِّينِ) وحكمته التي تقضي بالفناء، حتى على خير خلق الله محمداً عليه الصلاة والسلام، وذلك ما أشار إليه في بيته:
هَلَكَتْ قَبْلَكَ نَاسٌ وَقُـرًى وَنَعَى النَّاعُونَ خَيْرَ الثَّقَلَيْنْ ([9])
حيث يتمثل الشاعر حالة وعي شديد بمآل الإنسان، وذلك ما لا يتأتىّ لأيّ إنسان أو شاعر في موقف ذهول، ولا أشدّ منه موقف وفاة الوالد، فلا يكاد يصدّق البعض إلا بعد حين، وذلك ما جرى على لسان الشاعر « عبدالله بن سليم الرشيد»:
أَوَهَكَذَا يُطْوَى جَلَالُكَ يَا أَبِي مَا زِلْتُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبِ ([10])
لكن التصديق يحوّل الصبيّ إلى رجل طاعن في الحزن، ينسى أنفاس صباه في شرفات الوداع، كما يترك جزءًا من بعضه خلفه، وهذه صورة مشتركة في الفقد، والحالة الفارقة في هذا التحول الوجودي هي حالة وفاة الأب،
وتَرَكتُ بَعضيَ خلفَ بَعضيَ سادرًا ونَسيتُ في الشُّرُفاتِ أنفاسَ الصّبي ([11])
كما لم يتخلف الشاعر «إيليا أبو ماضي» عن رثاء والده رثاءً يذيب الروح قبل العين، وإن كان صاحب معتقد مختلف عن غالبية الشعراء العرب المسلمين، إلا أن برّه بأبيه لم يختلف في جوهره الإنساني، وذي قصيدته المطوّلةُ (أبي) التي تحمل كل معاني الارتباط الروحي بالأب، والانكسار لفقده، وذلك من مطلعها:
طَوَى بَعْضَ نَفْسِي إِذْ طَوَاكَ الثَّرَى عَنِّي وَذَا بَعْضَهَا الثَّـانِي يَفِيضُ بِـهِ جَفْنِي ([12])
إنّ الشاعر يرى نفسه جزءًا من أبيه، ذلك أنه من صلبه، فإذ طوى الثرى الأب فإنّ بعضا من الابن طُوِيَ معه وفيه، وذلك أقسى أنواع الارتباط، لكنّ الشاعر لا يكتفي بذلك، بل يجعل بعضه الباقي مرهونا بحزنه على فراقه، فالجزء المتبقي من نفسه يفيض به الجفن بالدمع الذي منبعه الحزن، في تقاطع مع حالة الحزن التي يشير إليها «قيس بن الملوّح»:
وَلَيْسَ الذِي يَجْرِي مِنَ العَيْنِ مَاؤُهَا وَلَكِنَّهَا نَفْـسٌ تَـذُوبُ وَتَقْطُـرُ ([13])
ثمّ إنّ «إيليا» لم يمتلك لنفسه جَلَدَ «شوقي»، بل إنه أباح لنفسه أن تكثر من الحَزنِ والحسرة لفقد والده، ولو أنّ كل بكاء أهل الأرض وحزنهم لا يفي الأبوة حقها، كما يصرح في بيته:
لَعَلِّي أَفِي تِـلْكَ الأُبُـوَّةَ حَـقَّهَا وَإِنْ كَانَ لاَ يُوفَى بِكَيْلٍ وَلاَ وَزْنِ ([14])
في موقف اعتراف بعظمة مقام الأبوة، واستحالة ردّ ديونها وإيفائِها حقها أبد الدّهر، فيكتفي الشاعر حينذاك بأن يتشرف بعلاقته بهذا الأب، ويرتقي بها سلّما نحو المجد، وإن كانت هذه العلاقة تبدو علاقة طبيعية عند غالب الناس، لأنه علاقة حتمية لا اختيارية:
فَأَعْظَمُ مَجْدِي كَانَ أَنَّـكَ لِي أَبٌ وَأَكْبَرُ فَخْرِي كَانَ قَوْلُكَ: ذَا ابْنِي ([15])
ويتصدر «درويش» قائمة الشعراء المحدثين والمعاصرين _جماليا ورمزيا_ الذي وظفوا الأب توظيفا متجاوزا الفخر، ليبلغ مقام البرّ، والعلاقة الإنسانية الخالصة التي تجمعه بأبيه، وذلك في قصائد كثيرة، تقبض على مختلف الحالات من حبّ ومودة، واعتذار واعتراف واحتياج وشكوى وثناء، وغير ذلك:
أَتَغْفِرُ يَا أَبِي
لِيَ مَا صَنَعْتُ بِقَلْبِكَ الْمَثْقُوبِ بِالصُّبَّارِ
حِينَ كَبَرْتُ وَحْدِي
وَذَهَبْتُ وَحْدِي كَيْ أُطِلَّ عَلَى الْقَصِيدَةِ مِنْ بَعِيدٍ؟ ([16])
لقد أصبحت القصيدة ذنبا عند الشاعر المعاصر، لأنها مغامرة غير محمودة الأثر، لذلك ذهب «درويش» إليها مفردا دون أبيه، ليتحمّل جمرها وحيدا، لكن كل ذلك لم يمنعه من طلب المغفرة والاعتذار من هذا الأب، الذي صار قلبه مثقوبا من شدة أشواك الخوف التي زرعت فيه، ثم إنّ الشاعر الابن لم يتردد في إبداء حاجته إليه، ولو أنها حاجة معنوية غير مادية، فيجعل منه نبيّا رمزيا، في قصيدة (أنا يوسف يا أبي)([17])؛ وأيّ مقام أعلى من ذاك، لأن يوسف يستدعي يعقوب، مع تغليف شخصية الأب بقوة التأثير والاستجابة لشكوى الابن من ثقل الحياة، كما في مقطعه من قصيدة (حجر كنعاني في البحر الميت):
أَتَعْلَمُ يَا أَبِي مَا حَلَّ بِي؟
وهي حالة يكون فيها الأب ملاذا آمنا مطَمْئِنًا لابنه المصاب بجراحات الوجود، لكنه ما ينفك يحول حاجته إلى خوف وحرص عليه، وذلك من أعلى مقامات البرّ، مصداقا لقوله تعالى « وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا» سورة الإسراء، الآية 24، ومن ذلك في قصيدة (ربِّ الأيائل يا أبي):
مُسْتَسْلماً لخُطَى أَبِيكَ ذَهَبْتُ أَبْحَثُ عَنْكَ يا أَبَتِي هُنَاكْ
عِنْدَ احْتِرَاق أَصَابِعِي بِشُمُوعِ شَوْكِكَ
عِنْدَمَا كَانَ الغُرُوبُ يَقُصُّ خَرُّوبَ الغُرُوبِ
وعِنْدَمَا كُنَّا – أَنَا وأَبُوكَ – يا أَبَتِي وَرَاءَكَ وَالِدَيْكْ
أَنْتَ المُعَلَّقُ فَوْقَ صُبَّارِ البَرَارِي مِنْ يَدَيْكْ
وعَلَيْكَ صَقْرٌ مِنْ مَخَاوفِنَا عَلَيْكْ
إنّ الابن البارّ بأبيه لا يؤمن بشيخوخة والده، بل يرى حاجته إلى أبٍ هو كذلك، لأن الأبوة تنـزاح على حالات إنسانية وروحية واسعة، لتتشكل بين الابن والأب والجد علاقة عاطفية تكاملية، بل إنها تتداخل وتتقاطع حسب الموقف المتجاذب بين القوة والضعف، حتى يصير الابن أبًا لأبيه، وتلك من أعلى مقامات البرّ، كما يقول: وعِنْدَمَا كُنَّا – أَنَا وأَبُوكَ – يا أَبَتِي وَرَاءَكَ وَالِدَيْكْ !، لكن هذا لا ينفي جَلَدَ الأب، وإرثه العامر بأبجديات الصبر والتحدّي، حتى صار الطفل يتقن التعلق فوق صبار البراري، ومحاربة المخاوف الروحية التي تتناقل بين عناصر هذه الحالة الإنسانية.
وعند «نزار قباني» موت الأب محض ضلالٍ، لأنه باقٍ فيه وفي كل مكان على الأرض، فيؤكّد ذلك في مواقف كثيرة، منها مقطعه:
أَمَاتَ أَبُوكَ؟
ضَلاَلٌ!
أَنَا لاَ يَمُوتُ أَبِي
فَفِي البَيْتِ مِنْهُ رَوَائِحُ رَبٍّ..
وَذِكْرَى نَبِي ([18])
فروائح الربّ هي صلوات الأب ودعواته المتصلة بالسماء، وذكرى النبيّ هي بره بأبنائه وما بثه فيهم من رسالة إنسانية خالصة، وما شرعه فيهم من مودة ورحمة وصلة رحم، وتلك رسالة تتوارثها الأجيال، كما توارث المؤمنون رسائل الأنبياء وشرائعهم.
ومن التجارب الراهنة في المتن الشعري العربي، نماذج متفردة متعالية، منها الشاعر السعودي «جاسم الصحيح» صاحب الروائع الممتدة عبر عقود من الشعر، والتي لم تغب روح الأبوة عنها، في مرحلة تبددت فيها الروابط، وتخلخلت أسس المبادئ، إذ اشتغل على تخليد ذكرى والده في نص تجاوز فكرة الرثاء، وتعالى إلى حالة فلسفية تغوص في عمق العلاقة الوجودية بين الأب والابن، وشدة الحاجة إلى هذه الركيزة في البناء الإنساني، ومن قصيدته (روحُ الأبوّةِ) بيته الأعلى دلالة:
رُوحُ الأُبُـوَّةِ تَحْمِينَا مِـنَ الكِبَرِ مَا مِنْ أَبٍ فَائِضٍ عَنْ حَاجَةِ البَشَرِ ([19])
فالأبوة ترياق الرجل كي ينجوَ من الكِبَرِ، ذلك أنه طفل والده ولو بلغ من العمر عتيا، فإذا مات الأب شاخ الابن ولو كان طفلا صبيّا، ثم يؤّكد على أنّ مقام كل الآباء محفوظ في الناس، وأنّ القوانين الكونية لا ترى في أي أبٍ فائضا عن الحاجة، بل إليه كل احتياج وبه كل ملاذ، وعلى أكتافه يبنى كل آتٍ، لأنه فعل مضارع لا يليق به أن يكون ماضيا، كما في البيت:
آبَاؤُنَا.. يَا لَأَفْعَـالٍ مُضَـارِعَةٍ مَرْفُوعَةٍ بِالضَّنَى وَالكَدِّ وَالسَّهَرِ ([20])
ولا تقوم جماليات هذا التركيب البديع على زمن الفعل الذي يتمنع عن الماضي، بل حتى في حركة إعرابه التي تتمنع عن الكسر، فترفعُ، لكن ليس بالضمة الظاهرة ولا المقدرة، بل بما هو أشرف من اللغة، إنه الضنىّ والكدّ لأجل الأبناء والسهر على رعايتهم، لأن يظلّوا صغارا في أوجِ فرحهم وإقبالهم على الدنيا، ولو كان هذا على حساب أرواح آبائهم وأعمارهم، أو كما قال الشاعر في بيته:
هُمْ يَحْمِلُونَ اللَّيَالِي عَنْ كَوَاهِلِنَا فَيَكْبَرُونَ.. وَنَبْقَى نَحْنُ فِي الصِّغَرِ ([21])
وعند الشاعر السوري «أنس الدغيم»، استحضار أبٍ وليس كأي أبٍ، إنه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، _وهو نفس اسم أبِ الشاعر_ ليدلل على مقام أبيه في قلبه، وذلك في قصيدة (إبراهيم):
عِنْدِي مِنَ المَاءِ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ حَطَبِ لَا تُوقِـدُوا النَّـارَ إِبْرَاهِيمُ كَـانَ أَبِي ([22])
والأب الذي يكابد النّار أبٌ مؤمن برسالته، وموقن بحكمة الله في كل تضحية لأجل قومه وأهله وأبنائه، ومن ذلك فإنّ الشاعر يرى في هذا الأب كل صفات الخير والرحمة، فيتقمص في حضرته كل صفات البراءة والانتماء، فينشطر هذا الأب في خطاب الشاعر إلى مفرداتٍ مثقلة بالدلالة والشعور، تجتمع في البيت:
فَيَـا أَبِي يَا أَبِي يَا يُـوبَ يَا أَبَتِي يَا يَابَ يَا بُويَ يَا صَوْتِي ويَا عُرَبِي ([23])
إذ يخاطب الشاعر أباه بمفردات متعددة، في محاولة لجعله أكثر اتساعا، فكانت:
_ أبي: المفردة التي تتصدر مناداة الأب في اللغة العربية.
_ أَبَتِي: من أكثر المفردات التي تشير إلى البر، وقد استعملها الخطاب القرآني بكثرة في السياق ذاته.
_ يُوبَ: _ يَابَ: _ بُويَ: مفردات شعبية تحيل إلى الدفء والقرابة الشديدة بين الطفل وابنه في الثقافة الشامية خاصة، والعربية الإسلامية عامة.
ختاما: لقد شهد مقام الأبوة في الشعر العربي تحولات متعددة، حسب سياقات كل مرحلة، وقد اشتغل هذا البحث على تقسيم هذه التحولات إلى مقام قديم؛ وهو مقام الفخر، كدأب الشعراء القدامى خاصة قبل الإسلام، ثم مقام البرّ عند الشعراء المحدثين والمعاصرين، حيث تحول الأب إلى حالة إنسانية ورمز وجودي مثقل بمعاني الرحم والرحمة والتعلّق الذي تجاوز حدود العلاقة الأسرية، وتجلى ذلك في نماذج شعرية كثيرة، تخيرنا فيها ما لم تضق بها هذه الورقات من البحث.
هوامش:
[1] _ مهلهل بن ربيعة، الديوان، شرح: طلال حرب، الدار العالمية، دط، ص48.
[2] _ الشنفري، الديوان، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1417ه، 1996م، ص 78.
[3] _ المتنبي، الديوان، مجمع الملك سلمان للغة العربية، الرياض، ط1، 1445ه، 2023م، ص 436.
[4] _ علي بن أبي طالب، الديوان، دار المحجة البيضاء، بيروت، ط1، 1419ه، 1999م، ص141.
[5] _ عنترة بن شداد، الديوان، شرح، الخطيب التبريزي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1416ه، 1992م، ص 36.
[6] _ الشنفرى، الديوان، مرجع سابق، ص 58.
[7] _ نفسه، ص 78.
[8] _ أحمد شوقي، الشوقيات، مؤسسة هنداوي، القاهرة، دط، 2012م، ص 764.
[9] _ نفسه، ص 764.
[10] _ عبدالله بن سليم الرشيد، نسمات من عطر الذاكرة، المؤسسة العربية، السعودية، ط1، 2014م، ص111.
[11] _ نفسه، ص 111.
[12] _ إيليا أبو ماضي، الأعمال الشعرية الكاملة، مؤسسة جائزة البابطين، الكويت، دط، 2008م ، ص 748.
[13] _ قيس بن الملوح، الديوان، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1420ه، 1999م، ص 48.
[14] _ إيليا أبو ماضي، المرجع السابق، ص749.
[15] _ نفسه، ص749.
[16] _ محمود درويش، ديوان أحد عشر كوكبا، رياض الريس للكتب والنشر، دط، 2009م، ص163.
[17] _ محمود درويش، ديوان أرى ما أريد، رياض الريس للكتب والنشر بيروت، دط، 2009م، ص 131.
[18] _ نزار قباني، قصيدة أبي، موقع الديوان، الرابط: https://www.aldiwan.net/poem6682.html
[19] _ جاسم الصحيح، ديوان أعشاش الملائكة، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط1، 2010م.
[20] _ نفسه.
[21] _ نفسه.
[22] _ أنس الدغيم، قصيدة إبراهيم، موقع يوتيوب، الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=Yo-K7sXvn7c
[23] _ نفسه.