الأديب/ ياسين محمد بشير شنيني

النسخة السادسة القصة القصيرة

الأديب/ ياسين محمد بشير شنيني

المركز الأول في فرع القصة القصيرة من دولة تونس

قصة الضفة الاخرى

      تهادت السماء مطرًا غزيرًا، ينسكب كالسيل على سفح جبل ماجورة، فيما كان صالح، ابن الثلاثين عامًا، يصارع الطبيعة بعناد القلب وصدق الشوق. لم يكن يقوده سوى حنينه إلى كوخ وادع على الضفة الأخرى، حيث تقيم أمّه العجوز، تنتظره بقلب أرهقه القلق وطال عليه المساء.

تشبّث بغصن زيتون ودفع جسده في قلب الوادي الهائج. كان يقاوم بكل ما أوتي من قوة، فيما خيال أمّه لا يفارقه: عيناها الحانيتان، وابتسامتها التي لطالما خفّفت عنه تعب الحياة، ويداها الموشومتان بطين الجبل، شاهدتان على عمر قضته في الصبر والدعاء.

وحين بلغ الضفة الأخرى، تنفّس الصعداء، ثم صعد سفح الجبل بخطى متعبة ولكن واثقة، متجهًا نحو الكوخ القابع في الجهة المقابلة. بدا له من بعيد كنقطة ضوء واهنة في عتمة الليل، لكنها كافية لأن تهدي قلبًا تائهًا إلى دفء الوطن.

كان الطريق الجبلي وعرًا، والطين ينزلق تحت قدميه، كأن الأرض تختبر عزيمته. لم يكن يسمع سوى نشيد المطر، أغنية قديمة أحبّها يومًا، لكنها هذه المرة جاءت مشبعة برهبة ثقيلة، تستحضر مواسم قاسية لم يشهد مثلها منذ سنوات بعيدة.

بلغ الكوخ أخيرًا… لكنّه لم يجد أمّه في انتظاره.

توقّف قلبه لحظة. اجتاحته رجفة عنيفة، وجفّ ريقه، رغم أن المطر كان يملأ الهواء. شعر بعطشٍ غريب، لم يكن عطش جسد، بل عطش روحٍ باغتها الخوف.

لمح الجسد ممدّدًا في الداخل. اقترب بخطوات مترددة، كأن ساقيه تخونانه. جلس ورفع رأسها برفق، وأسنده إلى ركبتيه. امتزجت دموعه بالمطر، ولم يعد يميّز أيّهما أشدّ حرارة. أمسك يديها، تلك اليدين اللتين طالما أمسكتا به طفلًا، وضمّهما إلى صدره كمن يستجدي معجزة.

وفجأة… توقف عند نبضٍ خافت. نعم، كان هناك نبض. واهن… لكنه حيّ

نهض مذعورًا، واندفع إلى الخارج بحثًا عن الحمار الذي اعتادت أن تربطه قريبًا، لكن المكان كان خاليًا. راح يفتّش بعينين مضطربتين، غير أنّ بحثه كان عبثًا. داهمه اليأس، فتجمّد لحظات بلا حركة.

ثم استدار نحو الكوخ بعزمٍ مفاجئ. لا… لا يمكن أن يتركها تموت

تناول برنس والده المعلّق على الباب وفرشه على الأرض، كأنّه يستعيد طقسًا قديمًا من طقوس الأمان. رفع جسد أمّه برفق، واستنشق رائحتها التي سكنت روحه منذ الطفولة؛ رائحة البخور والطين وكل الأشياء الصغيرة التي أحبّتها يومًا دون أن تدري أنها زرعت حبّها فيه إلى الأبد.

لفّها بالبرنس الأسود الذي حاكته لوالده ذات شتاء بعيد، وخلع حذاءه وجواربه ليُلبسها إيّاهما. بدّل غطاء رأسها، وداعب شعرها المخضّب بالحنّاء، ثم نزع غطاء رأسه ليضعه عليها، وربط البرنس بخيوط رفيعة، حريصًا ألّا يؤلم جسدها الواهن .

حملها على ظهره، وأسند رأسها إلى عنقه، كأنها تعود طفلةً بين ذراعيه. غطّاها بقطعة بلاستيك، وتمتم بدعاءٍ صامت، قبل أن يفتح الباب على عاصفةٍ لا ترحم.

اشتدّ المطر، وتعالت الريح، وضربت القطرات جسده كالسكاكين. مشى بحذرٍ بالغ، لا يكاد يرى الطريق، يضع قدميه بتؤدة، وكلّ همّه أن تبقى أمّه آمنة. تسلّل البرد إلى قدميه الحافيتين، واشتعل الألم فيهما، لكنه واصل المسير، كأن الوجع صار ثمنًا مقبولًا للحياة.

انزلقت قدماه فجأة. اندفعت يداه إلى الخلف يحميانها، فدوّى صوت كسرٍ حادّ. عضّ على شفتيه كاتمًا الألم، ونهض، ومضى، كأن الانكسار لا يعنيه.

بلغ الوادي الهادر. رفع أمّه أعلى، بيدٍ سليمة ونصف يدٍ مكسورة، وتشّبث بغصن زيتون، وغاص في المياه الجارفة. فقد توازنه لحظات، ثم تمسّك، وغرس قدميه في الطين. دفعه التيار بعنف، لكنه تشبّث بالضفّة الأخرى، وصعد زاحفًا، منهكًا… لكنه منتصر.

اتجه نحو المستشفى الصغير المحاذي للقرية، والدم يسيل من قدمه. قاوم التعب حتى بلغ الباب، وهناك فقط، سقط مغشيًا عليه.

تجلس المرأة العجوز أمام القبر، تمسح دموعها المنسابة على خديها كجدول صغير يسري بهدوء بين الصخور، وتداعب صمت القبر كما لو كان طفلاً صغيرًا يحتاج إلى العطف والحنان. تسكب القليل من الماء في إناء للطيور التي تأتي لترتشف حياةً بين يديها، وتروّي الزهرة البسيطة التي تتفتح على جانب القبر، بينما تتناثر حبات القمح التي وضعتها للطير، في مشهد يربط بين الحياة والموت بخيط رفيع من الرقة والوفاء.

تظل عيناها شاخصتين، تتأملان الاسم المحبوب إلى قلبها، “صالح”، المنقوش على الحجر، كذكرى لا تنطفئ، كنبض خافت يهمس لها بالحضور رغم غياب الجسد، ويملأ المكان بسكونه الحنون والحزين في الوقت نفسه .